الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

47

محجة العلماء في الأدلة العقلية

بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان انتهى كلامه وفيه ان نسبة الاستدلال بالقطع إلى الجمهور قد عرفت فسادها فان الأكثر انما ادّعوا البديهة واستغنوا بها عن الاحتجاج واما ما استحسنه من التقرير وحكم بأنه أولى ففيه ان عدم وجدان ما يوجب الاستحالة لا يدل على شيء فالاستدلال به على الامكان لا محصل له واما ما زعمه من أنه طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان ففيه ان الحكم بالامكان ان كان بمعنى الاعتقاد به فمع عدم الدليل عليه ترجيح بلا مرجّح وان كان بمعنى ترتيب آثاره على المشكوك فيه فلا معنى له حيث إنه لا اثر للامكان حتى يترتب على المشكوك فيه مع انّه لا وجه لهذا الأصل نعم يطلق الامكان على الاحتمال وهو عبارة عن الجهل فالّذى استقرّ عليه بناء العقلاء انما هو التّوقف واظهار الجهل عند عدم قيام البرهان على الاستحالة والامكان قال الشيخ الرئيس في آخر الإشارات بعد ما ذكر كيفية صدور خوارق العادات من المعجزات والسّحريات نصيحة إياك ان يكون تكيسك وتبرؤك من العامة هو ان تبرئ منكر الكلّ شيء وذلك طيش وعجز وليس الخرق في تكذيبك ما لم تستبن لك بعد جليّة دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بيّنة بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وان أزعجك استنكار ما يرعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك فالثّواب ان يسرح أمثال ذلك إلى بقعة الامكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان وأعلم ان في الطّبيعة عجايب وللقوى العالية الفعّالة والقوى السّافلة المنفعلة اجتماعات على غرائب انتهى ولا يخفى انه انّما أراد من الامكان الاحتمال وعدم المبادرة إلى انكار خوارق العادات الصادرة عن الأولياء كما لا يخفى على من تدبّر في أطراف كلامه فقد قال في تنبيه سابق على هذا الكلام ولعلّك قد يبلغك من العارفين اخبار يكاد يأتي بقلب العادة فتبادر إلى التكذيب وذلك مثل ما يقال إن عارفا استسقى للنّاس فسقوا واستشفى لهم فشفوا أو دعا عليهم فخسف وهم زلزلوا أو هلكوا بوجه آخر ودعا لهم فصرف عنهم الوباء والموتان والسّيل والطّوفان أو خشع لبعضهم السّبع أو لم ينفر عنهم طاير ومثل ذلك ممّا لا يؤخذ في طريق المنع الصريح فتوقف ولا تعجل فان لأمثال هذه أسبابا في اسرار الطّبيعة وربما يأتي لي ان اقصّ بعضها عليك انتهى وفي الاسفار بعد ما أولع في الطعن على المتكلّمين في تجويزهم إعادة المعدوم ومن عجيب الامر أيضا ان بعضا من هؤلاء استدل على امكان الإعادة بما قد سمع من كلام الحكماء الكرام انّهم يقولون كلّما قرع سمعك من غرائب عالم الطّبيعة فذره في بقعة الامكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان ولعدم تعوّده الاجتهاد في العقليّات لم يميّز الامكان بمعنى الجواز العقلي الّذى مرجعه إلى عدم وضوح الضّرورة لاحد الطرفين عند العقل عن الامكان الذاتي الّذى هو سلب ضرورة الطّرفين عن الشيء بحسب الذات فحكم بان الأصل في ما لم يتبرهن وجوبه وامتناعه هو الامكان فاثبت بظنّه المستوهن ان إعادة المعدوم ممكن ذاتي وتشبّث بهذا الظنّ الخبيث الذي نسجته عنكبوت وهمه كثير ممّن تاخّر عنه فيقال له ولمن تبعه انكم ان أردتم بالأصل في هذا القول